Monday, May 29, 2017

يقولّي انسى وأشفق عليّا

تدفعني شخصيتي المتشككة إلى التساؤل، دائمًا، عن حقيقة ما أشعر به. هل هو حقًّا حزن؟ هل هذا الغضب مجرّد وجه مستعار لشعور آخر؟ هل أنا، حقّا، إلى هذا الحد هشّة؟ أشكك في حبي، في حزني، في وجودي. المؤلم حقّا، أن شكّا ملازمًا كهذا، لا أوجهه كثيرًا نحو الآخرين. من حولي صادقون بقدر ما يقولون هم، يحبونني بقدر ما يعبرّون، وسيبقون معي بقدر ما يعدون. تشككي لا يحميني من نفسي، ولا يحميني، في المقابل، من خذلان الآخرين.

قضيت ساعات طويلة من عمري أبحث عن كيف نفعل الأشياء. أشياء كثيرة تعلمتها، ولكن أكثر ما أشعر أنه أفادني هو كيف تمنع دموعًا تكونّت في مقلة عينيك من أن تفضحك. مثلا، حرّك مقلتي عينيك كثيرًا، في اتجاهات مختلفة. مثلا، حرّك فمك، كأنك تمضغ شيئًا. مثلا، ابلع ريقك مرّات متتالية. تنجح هذه الأساليب غالبًا، ولكنني في لحظة مراوغة، لا أستطيع المقاومة. تخبرني صديقتي أن عليّ أن أكف عن المقاومة. أن من حقي أن أبكي ومن حقي أن أحزن. وأنا أشعر دائمًا أن عليّ أن أصمد، أن أبدو أكثر تماسكًا من الحقيقة لأن من يعرفونني لا يتوقعون مني الانهيار، وبالتالي، لا يعرفون كيف يساعدونني. أحمل عبء قلبي وحدي، وأعمل أعباء قلوب الآخرين معي. 

المربك، أنني كل مرة انهرتُ فيها ولم أستطع مقاومة ألمي، كنتُ وحدي؛ ولم يتوقف أحد ليربت عليّ. يخشاني أصدقائي عندما تبدو عليّ هشاشتي. يقولون "أنتِ قوية. أنت رائعة". تضع توقعات الآخرين في، أعباء أخرى على كتفيّ. أشعر بالوحدة، ولا أعرف لماذا. أبحث عن علاج للوحدة، ولكنني لا أجد الإجابة في كل المواقع التي تجيب. أقول لنفسي، إذا عرفتُ السؤال الصحيح، سأجد الإجابة. وأضيّع ساعات طويلة في تحسين صيغة السؤال حتى أتوه من نفسي ومن وحدتي.

في أحد حلقات المسلسل Community، يكتشف "عابد" أن الأبطال جميعهم كان مقدّر لهم منذ البداية أن يلتقوا. يربط قصاصات صغيرة ببعضها، ليكشف كيف أن كل قرار آخذه كل فرد من مجموعة الأصدقاء، أودي به في النهاية إلى النقطة التي هو بها الآن. شاهدت الحلقة مرات عديدة، وكل مرة أضبطني متلبسة بالسعادة لحظة اتصال النقاط ببعضها. أنا لا أشتكي الواقع، ولا أريد أن أعرف المستقبل ولا يعنيني نوع السبب بقدر ما يعنيني معرفته. فقط أريد أن أعرف: كيف وصلتُ إلى ما أنا فيه؟ أين ضاع مني الفرح؟ متي فسد فيّ ما فسد؟ قلبي ثقب أسود، أدور في فلكه، لا أنا أسقط، ولا أنا أبتعد. ربما إذا عرفت كيف وصلت إلى ما أنا فيه، توقفتُ عن الوقوع في نفس الدوامة. ربما ارتحتُ. ربما هدأتُ.

Monday, May 22, 2017

لا أحد هناك .. لا أحد هنا

من المؤكد أن هناك حلا سحريًا لجميع مشاكلي. في عقل فرد من الإنسانية، في مكان ما في العالم، توجد الإجابة على كل تساؤلاتي. ووجود هذا الحل في رأس هذا الرفيق لا يعني أنه بلا أسئلة غير مجابة. على العكس تمامًا. أنا أعتقد أن الأزمات والمشاكل والفراغات القلقة والأسئلة العالقة حولنا في الفراغ وزعت عشوائيًا على كل البشر، ثم وزعت حلولها وإجاباتها عشوائيا كذلك. لذلك مثلا، أنا أعرف الكثير من الإجابات ولكنها لا تفيدني بشيء. لذلك نحتاج الآخرين. نبحث فيهم عن إجابة ما. لذلك نحب. وتتعلق قلوبنا الفارغة بقلوب نعتقد بامتلائها وبقدرتها على احتواء فراغاتنا. ولكن عشوائية التوزيع على هذا العدد الهائل من البشر، وعلى كل تلك المساحة، جعل احتماليات التقائنا بالشخص المناسب لنا، يكاد يكون صفرًا كبيرًا. لا يكفيني عمري لأفحص كل البشر، وتقف الحدود تأشيرات السفر والفوارق الثقافية عائقًا. ماذا لو كان حامل إجاباتي قد ولد ومات بالفعل؟ ماذا لو أنه لم يولد بعد؟ ماذا لو أنني طفرة في  تاريخ الإنسانية ولا إجابات لي في أي مكان ولا أي وقت؟

أردت دومًا أن أعرف مصدر المشاعر التي تمزقني. اعتقدت أنني لو تتبعت شعور الوحدة حتى منبعه، وفهمت سببه، سيكسبني هذا قوة خارقة وسأقدر أن أعالجني، وأعالج الأحباء جميعًا. وددت لو فهمت السبب العلميّ لكسرة القلب. هذه الوخزة. الشعور بأن القلب يهوي من موضعه بين الضلوع، يريد أن يحطم العظام ويقطع الجلد وينخلع ويبعد، ولكنه محاصرًا بحدود الجسد، يقع إلى المعدة، ولا يستطيع فكاكًا. ولكن كل مرة تتبعت فيها شعورًالأصله، لم أجد له جوهرًا. كل المشاعر هشة التكوين، ولكنها نافذة التأثير. ألهمني هذا بعض القدرة على علاج بعض المشاعر. مثلا، يمكن علاج الوحدة بالحب. الأزمة كلّها، أن الحب يأتي بالخوف. الخوف من الفقد. يمكن علاج الخوف من الفقد، بتجنب التعلّق، ولكن الوحدة ستحل ضيفًا ثقيلا. وبدا لي واضحًا، أن لا شيء يكتمل. أن الهدوء والاستقرار غاية نسعى إليها ولكنها لا تتحقق. مثلها كعود العشب المربوط أمام عينيّ ثور الساقية؛ سيكون دافعه للحركة، ولكنه أبدًا لن يأكله. أن عليّ دائمًا أن أختار بين اختيارات جميعها يؤلم. ولكنني، علمتُ أيضًا، أن كل ألمٍ، له وجه عملة آخر. وأن الألم عرَض لتجربة قد عشتها. وأن التجربة هي السبيل الوحيد في ظل استحالة معرفة الإجابة الحقيقية اليقينية.

إذا رأى أحد منكم حامل إجاباتي فليسأله سؤالا واحدا:  لماذا تفضي جميع الطرق إلى هاوية  أو سد؟

Sunday, May 14, 2017

الحذاء الجديد

أعرف وجهي الذي أراه في المرآة، ولكني لا أعرفه في الصور. وبالتالي، لا يزعجني أبدًا أن أرى فارقًا بينهما يخبر عن سنواتٍ قد انقضت. أما في وجوه أصدقائي، فلا أستطيع مسامحة الزمن وترعبني كل تجعيدة جديدة. كثيرًا ما أشرد منهم محاوٍلة تذكر كيف كانوا يبدون منذ سنة، منذ سنتين وأول لقائنا. باختصار، أسامح الزمن على ما يفعله في، ولكنني لا أسامحه على ما يفعله في أصدقائي. أريدهم دومًا شبابًا، أريدهم دومًا مليئين بالرغبات وبالنزق ومفتوحة أمامهم كل الاختيارات وكل السبل. من إذن سيخفف عنّي هموم الزمن، إن حطت علينا معًا!

لا أزعم أنني أتصالح مع الكِبَر، ولكنني تصالحتُ مع تغيّر ملامحي. وفي أحد نهارات القاهرة الشائكة، وأنا أسير على كوبري قصر النيل، بينما يؤلم الحذاء الجديد قدمي، وتؤلم حقيبتي كتفي، وتؤلم ملابسي جلدي ويؤلمني الوجود، فكرّت أن حدوث كل هذه الأشياء السيئة لي الآن، معناه أن امرأة أخرى، في مكان آخر، ولنقل، على سبيل الخيال، أن هذا المكان يقع بظبط تحت قدمي، ولكن في النصف الآخر من الكوكب، تحدث لها كل الأشياء المضادة. أريد أن أقول، أنني إذا بدأت من قدمي، ثم غصتُ في باطن الكرة الأرضية، ومددتُ خطًا مستقيمًا، مارًا بالمركز، سيخرج في النصف الآخر من الكوكب، تحت قدمي امرأة، ترتدي حذاءً لا يؤلم قدميها، وحقيبتها مصنعّة بتقنية ذكية حتى لا تؤلم كتفها، ولا تؤلمها ملابسها، والوجود لديها مثل العدم، أو ربمّا حتى أفضل.عندما واتتني هذه الفكرة الساذجة، رفعتُ رأسي، ونظرتُ إلى الشمس، وقلتُ أننا جميعًا نتشارك الشمس، فقسوتها هنا تعني حنوّها في مكان آخر. أن وجود الشيء يعني وجود نقيضه؛ وأن كوني وجدت في كفة الميزان الصدئة، لا يعني بالضرورة أن الكفة الأخرى ليست من الاستانلس.

لا أدري تحديدًا كيف غيّرت هذه الفكرة نظرتي للعالم، ولكنني منذ هبوطها على رأسي، أصبحتُ أكثر تشاؤمًا، ولكن أكثر قناعة. فجأة، شعرتُ أنني مجرّد حلقة تافهة في سلسلة طويلة من الصدف الحمقاء. فكرتُ، ليس ذنب قرينتي السعيدة، أنها سعيدة بل إنني قد أكون حتّى سعيدة لسعادتها. فاجئتني مشاعر التعاطف هذه وزلزلت، كما يقولون، كياني. فجأة لم تعد تزعجني فكرة القطيع وانتمائي له. هذا التضامن بين أفراد القطيع، على الرغم من كونه عبثيًا في نتيجته، إلا إنه في النهاية شعورٌ يخفف من ثِقَل السلسلة.  لم نتنصل من تشابهاتنا، ونغمض أعيننا عن كل المساحات المشتركة؟

أقول، أنا منكم، وأنتم مني، وكلنُا، وإن تشاجرنا، واحد. شعرتُ أنني جزء من شيء مكتمل، قد لا تتبدّل كفَات الميزان، ولكن لا أحد يجزم. في النهاية، هذا السيناريو كغيره. كلها سيناريوهات متعددة لنتيجة واحدة. ولا يوجد طريق واحدة تحوي تعريفك. لهذا، سأدع الزمن يردم داخلي، رويدًا رويدًا، منابع الحياة، حتى أنطفيء. ولكنني سأحاربه في كل نبرة يأس في أصوات أصدقائي، في كل غيمة حزن في عيونهم، وفي كل تجعيدة في في أحرفهم.


Friday, November 11, 2016

محبة الدخان

يمكنه أن يقرأ تاريخ العالم من وجه امرأة عجوز. يحب الدخان وانعكاسات البشر في ظلالهم. يركض مما يعرف ووراء ما لا يعرف. وكأن كل ما يحدث يحدث لآخرين. قابلته في الطريق إلي ملاقاة صديقتي. لم يقل لي الحقيقة، ولكنني استوعبتُ الأمر كلّه عندما ابتسمت لي عجوز تفتح أكياس القمامة بجدية شديدة. قلتُ له أننا في نوفمبر نستسلم للبرد الذي كنا في انتظاره. لم يرد، فقلتُ له أن الانكار له أشكال عديدة، وأنني لستُ ملتزمة بطريقته. ضاقت عيناه قليلا فيما يشبه الابتسامة، ففاض بي الكيل، واتهمتُه بإجباري علي تحميل الأمور ما لا تستحق وإضفاء لمحة درامية رخيصة علي الأحداث؛ ثم رحلتُ غاضبة. في وجه العجوز رأيت الحضارات المنهارة، وأسعدني، بشكل مثير للريبة، كوني أشهد انهيار الحضارة من جديد. ربما أكون ممن يسحقهم الانهيار، فينتهي كل شيء، وربما أكون ممن سينجحون في البقاء، فأرتقي. النهايتان سعيدتان. أوقفني البائع، وكنتُ علي وشك الرحيل، وقال لي: عدّي الباقي. أربكني. ولكنني نظرت في النقود وقلت له أن الحساب صحيح. وكأن كل ما يحدث لآخرين. لا أريد أن أموت، ولكنني أريد أن أعرف متي سأموت. هل يستحق الأمر التضحية، أم أن الأمر سينتهي سريعًا، ولا داعي للإرهاق. الحياة لعبة خطرة. ابتسمتُ للبائع فلم يبتسم، فتذكرتُ أنني كنتُ غاضبة قبل أن يربكني هو، فغضبتُ مرة أخري.
في اليوم التالي رأيته مرة أخري. هذه المرة كنتُ أريد أن أسير دون وجهة. مشي جانبي ولم يقل شيئًا. من أين ظهر؟ كيف لم ألحظه؟ كان الوقت ليلا وعواميد الإنارة تتلاعب بظلالنا وفي الخلفية صوت أذان يغيظ. صوت طفلة تبكي في حرقة شديدة يأتي من بعيد. أنا الآن أريد أن أفعل أشياءً. لذلك أسير بدون وجهة. ليس معني هذا أنني أريده أن يسير بجانبي. لقد درستُ أن تاريخ العالم هو تاريخ التذبذب بين الازدهار والانحدار. وأن وجود أيٌ منهما، ينبيء بقرب حدوث الآخر. ولكن كل مرحلة لابد أن تأخذ وقتها. لا يمكننا أن نسرّع أيًا منهما بشكل يخدم مصالحنا. لذلك قلتُ له أننا أبناء الانهيار فلا يصح ألا نمتلك قدرة علي معالجة النهايات، وتحملها، وانهائها. أننا يجب أن نستسلم لنوفمبر وأن هذا الاستسلام يجب أن يليق بالبرد. أن المعاناة حقيقية ثم ضيقتُ عيني فيما يشبه الابتسامة. لم يغضب ولكنه رحل.
مرّ أسبوع. بدأتُ أعتاد الهدوء والظلام. كنتُ في غرفتي وعندما خرجت لأشرب، لمحته واقفًا في الطرقة يدخن. هل أجعله يلحظ وجودي، أم أتسلل إلي غرفتي؟ عندما اقتربت منه بهدوء دون أن أحدث صوتًا، لم يشعر بي. اقتربتُ من ورائه، فسمعته يهمس لنفسه بحزن شديد: متي سأموت! ارتبكتُ من الجملة. عدت إلي غرفتي سريعًا. أغلقتُ الباب. انتظرتُ قليلا، ثم خرجتُ مرّة أخري. تسللت بخفة نحو مكانه، فلم أجده. أضأتُ كلّ الأنوار. بحثتُ عنه في كل مكان ولم أجده. رفعتُ الكراسي، وقلبتُ أدراج الثلاجة بين شقوق خشب الأبواب. لم يكن هناك. طارت فراشة حولي. لم أدرِ أيضَا من أين أتت. ولكنها ظلت تحوم حول المكان الذي رأيته فيه. كانت تريد أن تخبرني شيئًا تلك الفراشة. تتبعتُ طيرانها الدائري. اقترابها من النور. أغلقتُ كل الأنوار إلا من ضوء لمبة صغيرة صفراء. تربعتُ الأرض وكرست اهتمامي لها. طارت بعنف نحو اللمبة، ارتطمت بالنور، ثم هوت نحو الأرض. تحسستها. كانت ميتة لا أثر لروح فيها. تركتها في مكانها. دخلتُ إلي غرفتي. أشعلت سيجارة أخيرة. ورقدتُ في السرير؛ حرّة وميتة.


Saturday, June 25, 2016

ده أنا كل قلب دخلت فيه اتحرق

عند كل مفترق طرق تقف لي الاختيارات. هل أسلك الطريق الموحش، أم المعبّد؟ هل أختار الموت أم الحياة؟ لا تعنيني النهايات، ولا أبالي المشقّة. ولكن لي حسابات أخري. مثلا، كم قلبًا سينكسر! كم روحًا سأحمل علي كتفيّ المنهكين من ثِقَل المعيّة وطول العمر! ومتي سأتوقف عن حب العالم، وأبدأ في حب نفسي؟

كل الطرق تفضي إلي هاوية، أو سد. الأحلام أحلام، لن تنتظرنا لتتحقق. والرغبة في الطيران ستبقي مكبلّة من كاحليها في الأرض. ليس لديّ فلسفات، وليس لديّ إجابات، ولا يعنيني من أي شيءٍ، أيُ شيء. فقط، آملُ أن تنحل هذه الدوامات؛ وأن أشكر البحرعلي موجه الهاديء الذي يهدهدني كطفلة استعصي عليها النعاس. 

الدائرة، أصغر الأشكال الهندسية مساحة، ولكنها طويلة كالحُزن. لا تعرف أين بدأت الطريق؛ ولن تنتهي. ندور في مسارات مغلقة علي ذاتها، ونمر علي نفس المكان مرّات عديدة ولا نعرفه. نقول: ربما مررتُ من هنا من قبل. ربما أعرف الإجابة. وتمضي في الحلقة وتقول: ربما اقتربت النهاية. 

هَرِمَت روحي ولم تعد تهتم لمن أكون، ولا لماذا أريد. كل محاولة منّي للفكاك من كماشات الاختيار، جعلت ظهري أكثر تقوسًا وانحناءً. أقول لنفسي: "هذا أيضا سيمر"، وتقول لي وساوسي: "وماذا لو؟" أقول ربما إن لم أختر، ستتفكك الدائرة ذاتيا. سيختار الاختيار نفسه. ثم أفيق وأجدني في مكان لا أعرفه، ولكن حدسي يخبرني أن هذا المكان يبدو مألوفا. فأقول: ربما مررتُ من هنا من قبل، ربما اقتربت النهاية. 

كل ما أردته من هذا العالم، أن يكرهني الجميع، ويحبني واحدٌ. أتهم عقلي بالنرجسية، وأحاول أن أدفع عنه وهم العظمة. تتكسّر أجنحة حاولت الطيران من خلالي. وأقول، لو أنهم فقط أحبوني أقل. لو أنهم حلقوا بعيدًا عني، لربما نجحوا. وأقول: والماضي! لو أن كل قلب اقترب مني، ابتعد؛ لتحررتُ من عاقبات المسرّات.

أقف عند مفترق الطرق، وأحوّل عينيّ بين الاختيارات ونهاياتها. وأقول: ليس من العدل أن أحمل عبء الاختيار وحدي. أفكّر في وحدتي، وأختبر الغصّة. وأقول: عليّ دائمًا أن أتحرك إلي الأمام، لن أعود إلي خيارات التي أخذتها من قبل. لن أقف في مكاني. "هذا أيضًا سيمر". وسينضم هذا الاختيار، كسابقيه، إلي جعبة الاختيارات التي كلما تركتها ورحلتُ، وجَدَتَني. أنا لا آُومن بأي شيء، ولا حتي نفسي. ولكن عند مفترق الاختيار، ولحظة الحسم، أي موت سأختار؟ موتي أم موت آخر غيري؟ هل أحمي نفسي، أم أحمي الآخرين؟ وإذا كانتا الطريقين نهايتهما موت يختلف اسمه، هل أختار أن أموتَ، أم أن يموت الآخرون؟

كل الطرق تفضي إلي هاوية، أو سد. وأنا سأبقي مقيدة من كاحليّ بالأرض. وسأضطر أن أترك الاختيارات غير مُختارَة. سأغمض عيني وأطأ بقدمي قلبا. وغاية آمالي في لحظة الكشف، أن يكون القلب المنكسر قلبي، وليس قلبًا حاول الطيران من خلالي، وأقعدته قيود كاحلي؛ فلزمني. 

لماذا يأتينا الموت في صورٍ قاتمة، ولا يأتينا في صورته الأولية؟ لماذا يفضي كل سقوط إلي آخر! وأين القاع! متي أرتطم بالأرض وأتفتت إلي قطع زجاج صغيرة ملونة، تجمعهم طفلة ضمن مجموعة مقتنياتها؟ أريد أن أعيش إلي الأبد، ولكني أريد أن أعيش بدون القدرة علي اتخاذ القرار. 

لقد ذبلت أجنحتي. وأدمت الأصفاد كاحليّ حتي تحجرّا. فلا أنا أطير، ولا أنا أشعر بالقيد. والسقوط حر نحو القاع هو فرصتي في الطيران مرة أخيرة ووحيدة. 

Wednesday, June 1, 2016

The ultimate paradox

أريد أن أكتبُ لأفهم. أريد أن أكتب لأعرف. ماذا أريد؟

يحاصرني أحبائي بمعرفتهم عما أريده. ويدهشونني بكلام مرتب منطقي، يتوافق مع شخصيتي. يتوافق مع ردود فعلي. يدهشونني بمعرفتهم أشياء عني لا أعرفها. أرتبك. أقول لنفسي: "ربما كان هذا ما أريده فعلا .. ربما تكمن سعادتي هنا".

ألوك الفكرة. أمضغها حتي أستسيغها فأستطيع بلعها. أقول هم علي حق، أنا المضللَة المضلِلة، ماذا أعرف أنا عما أريد!

لا أعتقد أن احدي حواسي تتفوق علي الأخري. لستُ حادّة البصر، وليس لديّ أذن حساسة. ولكنّي الآن أسمع كل الأصوات بعنف لا أستطيع التعامل معه. ألحظ الحقيقة في نبرات صوت من أتحدث معهم. يصلني غضبهم، ارتباكهم، تعاطفهم وحقدهم. لم تعد الصور هي التي تحاصرني كما من قبل. تحاصرني الآن الأصوات. أستطيع أن أسمع رفرفة جناح بعوضة تحوم حول قمامة المطبخ. بالأمس، سمعتُ صوت زنّة خافتة. انتفقضتُ من نومي، وأخذتُ أبحث في هلع عن مصدرها. أتفقد كل مصادر الإضاءة، أتفقد كل وصلات الكهرباء، أخرج إلي البلكونة وأتنصت علّها من الخارج، أقترب من باب الشقة بحذر وببطء ربما أحدهم علي الباب مريدا ايذائي. لم أجدها. فكرّت: ربما حشرة في شعري تحاول الهروب. أرتعب وأبعثر شعري بعنف. أقول لعلّها في ملابسي. أخلع كل ملابسي ولا أجدها. أقول علّها في رأسي، ربما أهلوس. أدير موسيقي بصوتِ عال، وأصرخ في وجهي بالمرآة. والزنّة تسكت قليلا، ثم تعود. في النهاية، وعندما فشلتُ في ايجادها. تكورّتُ علي نفسي في السرير، أنظرُ للسقف وأقول لنفسي "لعلّ الخطأ بي أنا". عندما كنتُ علي حافّة الانهيار، سمعتُ الزنة من جديد. نظرتُ جانبي، فوجدتُ بعوضة وليدة، صغيرة الحجم تكاد لا تُري عالقة في ثقب صنعته جمرات السجائر المتطايرة في الفراش. تناولتُ قطعة ملابس، وضربتها بعنف شديد فسقطتُ علي الأرض، ثم دهستها بقدمي والتصق بي دمها. تكورتُ مرة أخري ألهث. ثم لم أدرِ ماذا أفعل بنفسي بباقي الليل. وأتساءل عن العنف الذي يخرج مني كلما اعتقدتُ أنّي تجاوزته.


يعتقد الجميع أنهم يعرفونني. وأنا لا أعرف حتي نفسي. أدور في فلك فكرة وحيدة، أعودُ إليها دائمًا. هل أؤمن فعلا بالحب؟ هل يمكنني أن أحب؟ أعتقد الآن أن عليّ أن أتخذ قرارًا حاسمًا، مرّة واحدة وللأبد. إما أن أكون الشخص الذي يعتقده الآخرون، وإما أن أكون الشخص الذي أعتقده أنا. والاثنان متضادّان كما الخير والشر. مشكلتي الوحيدة البسيطة التافهة أنني لا أحب ما أعتقده عن نفسي. وأنني باختيارها، سيكون عليّ أن أعيش معها حتي الموت. 

Monday, March 28, 2016

ما جنيته علي نفسي، ولم يجنه عليّ أحد

فلسفتي في الحياة الآن أن كل ما حدث قد حدث بالفعل، ولا سبيل لتغييره. أما المستقبل، فلا سبيل لمعرفته. أن ما أفعله الآن، في هذه اللحظة، هو الحقيقة الوحيدة. 

 أريد أن أفعل الأشياء، لا أن أتحدث عنها. كل الوعود زائفة. الوعد مقترن بلحظته وبظروفه. مرتبط بالحاضر فقط، أما المستقبل، فلا سبيل لمعرفته. وكل الكلام، كلام. بضع حروف رصّت جنبا إلي جنب. ليست بالضرورة تعني شيئًا. لا تعني شيئًا بالضرورة. أفكر: الماضي موجود حتي لو أنكرناه، حتي لو حاولنا تبريره والقفز عليه. وأتساءل: فماذا نفعل إذا؟ نهرب بالطبع. نهرب من أفكارنا، مما فعلناه، مما يعلق في الهواء فوقنا. نهرب إلي رحابة الآن. نهرب إلي اللحظة الآنية. إلي الحاضر. نبتسم كلما التقت أعيننا بأعين لا نعرفها لنفتح سبيلا للحظة حاضرة صادقة. عندما نظرتُ في عين البنت التي تعبر الطريق أمامي، لم أعرف شيئًا عن ماضيها، لم أعرف شيئًا عن أفكارها. كل ما عرفته كان أنها الآن تعبر الطريق أمامي، وأننا في هذه اللحظة وحدها، عندما ابتسمت لها فبادلتني الابتسامة، تشاركنا الوجود. 

تتعقد العلاقات بمقدار ما يتذكره طرفاها منها. لو أننا في لحظة، أغلقنا بوابات الذكريات، لانغلقت معها الأفكار. حينها، سيستطيع كلٌّ منا أن يري في الآخر حقيقته. سيري فيه ما هو عليه الآن. لن ستؤذينا حينها كلمات قيلت في ماضِ بعيد. ولن نتحاسب علي الوعود التي قطعناها ثم كذبناها. خفيفين علي الحياة، خفيفين علي أنفسنا.

كل ما تعلمناه خطأ غالبًا. كل شيء يتغير. وكل شيء ينتهي. وما نتوقف عنده، هوالذي يكون. أفكارنا عن أنفسنا خاطئة. فلماذا لا نهرب منها؟ نهرب من الوقت. نهرب من الوجود. نبحث عن الإجابات بأن نكون الآن سعداء. أنا لستُ شيئًا، سوي ما أقول وأفعل الآن. وما فعلته، ليس جزءًا مني. 

الآن الآن وليس غدًا.