Thursday, September 17, 2015

في الأفق أري النهاية

لا أعرف وسيلة أدفع بها الأفكار عن رأسي. أفكر كثيرا كيف أغيّر أفكاري. صحبتُ تلك الأفكار طول عمري، واختبرتها، ولكنها لم تنقذني. عرقلتني. أفكاري الأصلية أتت بالظلام إلي عتبات روحي. ألهثُ كقطة رمادية تهرب من لا شيء سوي نفسها. أحاول تعقب قطار الأفكار، أحاول ايقافه، لكنّه يأبى. أنهض، أتحرّك بعنف، أضرب رأسي بالحائط، أدير موسيقى مهرجانات رخيصة بصوتٍ عالٍ، أتحدث إلى وحدات بلاط الأرض، إلي الثلاجة، إلي حبال الغسيل، أتحدث إلي نفسي، إلي أنفي، إلي لساني، وإلي أصابع قدمي المتورمة من الحذاء الرخيص. لكنّ لا شيءَ يُجدي. تظل الأفكار تهرب مني. تتسلل إلي خلفية رأسي.  وتفاجئني. ألهثُ كالظلّ الهارب في ظهيرة يوم حار في أغسطس. 

أنا لا أؤمن بشيء. ولا أصدق شيء. ولكنّي دائما أبحث عن إجابات لأسئلة لا تعني شيئا فعلا. ما الفرق بين أن أدخن السيجارة قبل القهوة أو بعدها؟ لا فرق على الإطلاق. أنا أعرف هذا ولكني أجد نفسي دائما محاصرة في دوائر الأسئلة. والأسئلة مربكة ليس لأن أغلبها لا إجابات صحيحة تنهيها؛ ولكنّ لأن الولع بالاستفهام الذي يتمكن منّي يجعلني أنسي حتي الإجابات التي أعرفها بالفعل. ربما أنا مخطئة؟ ربما عليّ أن أبدأ من جديد. لا أعرف سبيلا للتوقف عن الهرب سوي الموت. وأنا أفكر في الموت كثيرا كنهاية لا بداية بعدها. ولكنّي أيضا أتوقف عند التفكير. أتساءل إن كان عليّ أن أنسحب من الحياة كلها. أتساءل ولا أعرف الإجابة. 

لم أعتد أبدًا مشاركة أفكاري مع الآخرين. كل ما شاركته، بينما يظنون أنني أفتح لهم قلبي فيعرفوني؛ لم يكن في الحقيقة إلا هامش بذيل صفحة، لا يحمل قيمة بذاته. بينما كنت أحتفظُ لنفسي بالعنوان والفهرس والمحتوي. أحاول الآن أن أصبح أكثر صدقًا مع نفسي ومع الآخرين. أحاول ألا أجمّل أشيياءً قبيحة في أصلها. أفتح قلبي للعابرين ولأصدقاء محتملين ولرفاقٍ كل ما يعرفونه عني لون عيني. أسأل. لعلّ عند أحد إجابات. لعلّي أنا الخلل الذي في العالم. لعلّ أحد يساعدني. لستُ متفائلة من النتائج. لا تستطيع خلايا مخي العصبية أن تمتهن التفاؤل. ولا التشاؤم. ولا أي شيء. كأن بي خطأ ما. كأن خلاياي متصلة معا في دوائر مغلقة. لا تنقل المعلومات كما يجب. ولا تحلّ الأزمات.

ربما عليّ فقط أن أنتهي ليصبحَ العالمَ مكانًا أجمل؛ لا مساحة فيه لأفكاري السوداء وأسئلتي العبثية.

Friday, September 4, 2015

السحاب

كل الأشياء التي تمنيتُ أن تحدثَ لي، حدثت؛ ولكنّي وقفتُ أمامها مرتبكة. لا أعلم لماذا تحاصرني صورٌ بعينها كل فترة. أشياء كلما اعتقدتُ أنني نسيتها، بزغت في ذاكرتي. أجتر كل ما حدث لي. كل ما تمنيتُ أن يحدث وحدث. والارتباك ليس لصعوبة الموقف، ولكنني إذ رأيتُها تتجسد فقدت شاعريتها. صارت مملة وكئيبة. صارت شيئًا حدث بالفعل ورأيته. ماذا أفعل في ضيق صبري وسرعة تسرب الملل إليّ؟ ربما عليّ بالفعل أن أفعل شيئًا. أن آخذ قرارا. ولكنني محاصرة في دوائري المغلقة. عليّ أن أبدأ من جديد في كل شيء. دائمًا، عليّ أن أبدأ من الجديد. ربما ما عليّ فعله هو أن أبدأ امتهان فعل الثقة. أن أخلق بداخل رأسي المزدحمة بالمؤامرات والأفكار الشريرة مساحةً خالية من الوحدة. مساحة تمكنني من أضع بها أشخاصًا، أفكارًا، أو ربما بعض الحلوي. تصالحتُ مع عدم فهمي لهذا العالم، ولكن بعض الأفكار تربكني. كيف يستطيع أحدٌ أن يحبّ دون أن يخاف؟ كيف يأمن البشر لحياتهم وهم عالمون بنهايتهم وبنهاية من يحبون. كيف يعيشون مع سؤال "من سيشهد  رحيل الآخر؟"؟ والأدعي، كيف ينتمون؟ أنا واجهت مشكلة في كل مرّة كان عليّ فيها أن أصيغ عبارةً تحمل أي قدر من الانتماء لأي شي، أي شيء على الإطلاق. أخاف في كل مرة كان علي أن أختار اسمًا مستعارًا، اقتباس لأكتبه تحت اسمي، أو حتّي جملة مفضلة في أغنية. كل الأشياء تمرّ. حتّي ما نؤمن يقينًا أنه باق. وعندما تعود تلك الصور، صور كل شيء قد حدث وصار ماضِ؛ أفكّر في المستقبل. في كل ما أتمنّي الآن أن يحدث، فيه عندما يحدث، ويصبح ككل شيء آخر: شيئًا قد رأيتُه بالفعل. لن أسقط في فخ الحديث عن عدم وجود معنى؛ لقد كبرتُ الآن ولا يجدر بي الحديث عن مشاكل المراهقين. أنا أريد فقط أن أتوقف عن فعل أي شيءِ، أن أجلس في هدوء أتأمل السحاب الذي تحركه الرياح، فيذهب معها. حرّا، خفيفًا، عاليًا، ويموت سريعًا.