يمكنه أن يقرأ تاريخ العالم من وجه امرأة
عجوز. يحب الدخان وانعكاسات البشر في ظلالهم. يركض مما يعرف ووراء ما لا يعرف.
وكأن كل ما يحدث يحدث لآخرين. قابلته في الطريق إلي ملاقاة صديقتي. لم يقل لي
الحقيقة، ولكنني استوعبتُ الأمر كلّه عندما ابتسمت لي عجوز تفتح أكياس القمامة
بجدية شديدة. قلتُ له أننا في نوفمبر نستسلم للبرد الذي كنا في انتظاره. لم يرد،
فقلتُ له أن الانكار له أشكال عديدة، وأنني لستُ ملتزمة بطريقته. ضاقت عيناه قليلا
فيما يشبه الابتسامة، ففاض بي الكيل، واتهمتُه بإجباري علي تحميل الأمور ما لا
تستحق وإضفاء لمحة درامية رخيصة علي الأحداث؛ ثم رحلتُ غاضبة. في وجه العجوز رأيت
الحضارات المنهارة، وأسعدني، بشكل مثير للريبة، كوني أشهد انهيار الحضارة من جديد.
ربما أكون ممن يسحقهم الانهيار، فينتهي كل شيء، وربما أكون ممن سينجحون في البقاء،
فأرتقي. النهايتان سعيدتان. أوقفني البائع، وكنتُ علي وشك الرحيل، وقال لي: عدّي
الباقي. أربكني. ولكنني نظرت في النقود وقلت له أن الحساب صحيح. وكأن كل ما يحدث
لآخرين. لا أريد أن أموت، ولكنني أريد أن أعرف متي سأموت. هل يستحق الأمر التضحية،
أم أن الأمر سينتهي سريعًا، ولا داعي للإرهاق. الحياة لعبة خطرة. ابتسمتُ للبائع
فلم يبتسم، فتذكرتُ أنني كنتُ غاضبة قبل أن يربكني هو، فغضبتُ مرة أخري.
في اليوم التالي رأيته مرة أخري. هذه المرة
كنتُ أريد أن أسير دون وجهة. مشي جانبي ولم يقل شيئًا. من أين ظهر؟ كيف لم ألحظه؟
كان الوقت ليلا وعواميد الإنارة تتلاعب بظلالنا وفي الخلفية صوت أذان يغيظ. صوت
طفلة تبكي في حرقة شديدة يأتي من بعيد. أنا الآن أريد أن أفعل أشياءً. لذلك أسير
بدون وجهة. ليس معني هذا أنني أريده أن يسير بجانبي. لقد درستُ أن تاريخ العالم هو
تاريخ التذبذب بين الازدهار والانحدار. وأن وجود أيٌ منهما، ينبيء بقرب حدوث
الآخر. ولكن كل مرحلة لابد أن تأخذ وقتها. لا يمكننا أن نسرّع أيًا منهما بشكل
يخدم مصالحنا. لذلك قلتُ له أننا أبناء الانهيار فلا يصح ألا نمتلك قدرة علي
معالجة النهايات، وتحملها، وانهائها. أننا يجب أن نستسلم لنوفمبر وأن هذا
الاستسلام يجب أن يليق بالبرد. أن المعاناة حقيقية ثم ضيقتُ عيني فيما يشبه
الابتسامة. لم يغضب ولكنه رحل.
مرّ أسبوع. بدأتُ أعتاد الهدوء والظلام. كنتُ
في غرفتي وعندما خرجت لأشرب، لمحته واقفًا في الطرقة يدخن. هل أجعله يلحظ وجودي،
أم أتسلل إلي غرفتي؟ عندما اقتربت منه بهدوء دون أن أحدث صوتًا، لم يشعر بي.
اقتربتُ من ورائه، فسمعته يهمس لنفسه بحزن شديد: متي سأموت! ارتبكتُ من الجملة.
عدت إلي غرفتي سريعًا. أغلقتُ الباب. انتظرتُ قليلا، ثم خرجتُ مرّة أخري. تسللت
بخفة نحو مكانه، فلم أجده. أضأتُ كلّ الأنوار. بحثتُ عنه في كل مكان ولم أجده.
رفعتُ الكراسي، وقلبتُ أدراج الثلاجة بين شقوق خشب الأبواب. لم يكن هناك. طارت
فراشة حولي. لم أدرِ أيضَا من أين أتت. ولكنها ظلت تحوم حول المكان الذي رأيته
فيه. كانت تريد أن تخبرني شيئًا تلك الفراشة. تتبعتُ طيرانها الدائري. اقترابها من
النور. أغلقتُ كل الأنوار إلا من ضوء لمبة صغيرة صفراء. تربعتُ الأرض وكرست
اهتمامي لها. طارت بعنف نحو اللمبة، ارتطمت بالنور، ثم هوت نحو الأرض. تحسستها.
كانت ميتة لا أثر لروح فيها. تركتها في مكانها. دخلتُ إلي غرفتي. أشعلت سيجارة
أخيرة. ورقدتُ في السرير؛ حرّة وميتة.
No comments:
Post a Comment