أعرف وجهي الذي
أراه في المرآة، ولكني لا أعرفه في الصور. وبالتالي، لا يزعجني أبدًا أن أرى
فارقًا بينهما يخبر عن سنواتٍ قد انقضت. أما في وجوه أصدقائي، فلا أستطيع مسامحة
الزمن وترعبني كل تجعيدة جديدة. كثيرًا ما أشرد منهم محاوٍلة تذكر كيف كانوا يبدون
منذ سنة، منذ سنتين وأول لقائنا. باختصار، أسامح الزمن على ما يفعله في، ولكنني لا
أسامحه على ما يفعله في أصدقائي. أريدهم دومًا شبابًا، أريدهم دومًا مليئين
بالرغبات وبالنزق ومفتوحة أمامهم كل الاختيارات وكل السبل. من إذن سيخفف عنّي هموم
الزمن، إن حطت علينا معًا!
لا أزعم أنني
أتصالح مع الكِبَر، ولكنني تصالحتُ مع تغيّر ملامحي. وفي أحد نهارات القاهرة
الشائكة، وأنا أسير على كوبري قصر النيل، بينما يؤلم الحذاء الجديد قدمي، وتؤلم
حقيبتي كتفي، وتؤلم ملابسي جلدي ويؤلمني الوجود، فكرّت أن حدوث كل هذه الأشياء
السيئة لي الآن، معناه أن امرأة أخرى، في مكان آخر، ولنقل، على سبيل الخيال، أن
هذا المكان يقع بظبط تحت قدمي، ولكن في النصف الآخر من الكوكب، تحدث لها كل
الأشياء المضادة. أريد أن أقول، أنني إذا بدأت من قدمي، ثم غصتُ في باطن الكرة
الأرضية، ومددتُ خطًا مستقيمًا، مارًا بالمركز، سيخرج في النصف الآخر من الكوكب،
تحت قدمي امرأة، ترتدي حذاءً لا يؤلم قدميها، وحقيبتها مصنعّة بتقنية ذكية حتى لا
تؤلم كتفها، ولا تؤلمها ملابسها، والوجود لديها مثل العدم، أو ربمّا حتى أفضل.عندما
واتتني هذه الفكرة الساذجة، رفعتُ رأسي، ونظرتُ إلى الشمس، وقلتُ أننا جميعًا
نتشارك الشمس، فقسوتها هنا تعني حنوّها في مكان آخر. أن وجود الشيء يعني وجود
نقيضه؛ وأن كوني وجدت في كفة الميزان الصدئة، لا يعني بالضرورة أن الكفة الأخرى
ليست من الاستانلس.
لا أدري تحديدًا
كيف غيّرت هذه الفكرة نظرتي للعالم، ولكنني منذ هبوطها على رأسي، أصبحتُ أكثر
تشاؤمًا، ولكن أكثر قناعة. فجأة، شعرتُ أنني مجرّد حلقة تافهة في سلسلة طويلة من
الصدف الحمقاء. فكرتُ، ليس ذنب قرينتي السعيدة، أنها سعيدة بل إنني قد أكون حتّى
سعيدة لسعادتها. فاجئتني مشاعر التعاطف هذه وزلزلت، كما يقولون، كياني. فجأة لم
تعد تزعجني فكرة القطيع وانتمائي له. هذا التضامن بين أفراد القطيع، على الرغم من
كونه عبثيًا في نتيجته، إلا إنه في النهاية شعورٌ يخفف من ثِقَل السلسلة. لم نتنصل من تشابهاتنا، ونغمض أعيننا عن كل
المساحات المشتركة؟
أقول، أنا منكم،
وأنتم مني، وكلنُا، وإن تشاجرنا، واحد. شعرتُ أنني جزء من شيء مكتمل، قد لا تتبدّل
كفَات الميزان، ولكن لا أحد يجزم. في النهاية، هذا السيناريو كغيره. كلها
سيناريوهات متعددة لنتيجة واحدة. ولا يوجد طريق واحدة تحوي تعريفك. لهذا، سأدع الزمن
يردم داخلي، رويدًا رويدًا، منابع الحياة، حتى أنطفيء. ولكنني سأحاربه في كل نبرة
يأس في أصوات أصدقائي، في كل غيمة حزن في عيونهم، وفي كل تجعيدة في في أحرفهم.
No comments:
Post a Comment