Saturday, June 25, 2016

ده أنا كل قلب دخلت فيه اتحرق

عند كل مفترق طرق تقف لي الاختيارات. هل أسلك الطريق الموحش، أم المعبّد؟ هل أختار الموت أم الحياة؟ لا تعنيني النهايات، ولا أبالي المشقّة. ولكن لي حسابات أخري. مثلا، كم قلبًا سينكسر! كم روحًا سأحمل علي كتفيّ المنهكين من ثِقَل المعيّة وطول العمر! ومتي سأتوقف عن حب العالم، وأبدأ في حب نفسي؟

كل الطرق تفضي إلي هاوية، أو سد. الأحلام أحلام، لن تنتظرنا لتتحقق. والرغبة في الطيران ستبقي مكبلّة من كاحليها في الأرض. ليس لديّ فلسفات، وليس لديّ إجابات، ولا يعنيني من أي شيءٍ، أيُ شيء. فقط، آملُ أن تنحل هذه الدوامات؛ وأن أشكر البحرعلي موجه الهاديء الذي يهدهدني كطفلة استعصي عليها النعاس. 

الدائرة، أصغر الأشكال الهندسية مساحة، ولكنها طويلة كالحُزن. لا تعرف أين بدأت الطريق؛ ولن تنتهي. ندور في مسارات مغلقة علي ذاتها، ونمر علي نفس المكان مرّات عديدة ولا نعرفه. نقول: ربما مررتُ من هنا من قبل. ربما أعرف الإجابة. وتمضي في الحلقة وتقول: ربما اقتربت النهاية. 

هَرِمَت روحي ولم تعد تهتم لمن أكون، ولا لماذا أريد. كل محاولة منّي للفكاك من كماشات الاختيار، جعلت ظهري أكثر تقوسًا وانحناءً. أقول لنفسي: "هذا أيضا سيمر"، وتقول لي وساوسي: "وماذا لو؟" أقول ربما إن لم أختر، ستتفكك الدائرة ذاتيا. سيختار الاختيار نفسه. ثم أفيق وأجدني في مكان لا أعرفه، ولكن حدسي يخبرني أن هذا المكان يبدو مألوفا. فأقول: ربما مررتُ من هنا من قبل، ربما اقتربت النهاية. 

كل ما أردته من هذا العالم، أن يكرهني الجميع، ويحبني واحدٌ. أتهم عقلي بالنرجسية، وأحاول أن أدفع عنه وهم العظمة. تتكسّر أجنحة حاولت الطيران من خلالي. وأقول، لو أنهم فقط أحبوني أقل. لو أنهم حلقوا بعيدًا عني، لربما نجحوا. وأقول: والماضي! لو أن كل قلب اقترب مني، ابتعد؛ لتحررتُ من عاقبات المسرّات.

أقف عند مفترق الطرق، وأحوّل عينيّ بين الاختيارات ونهاياتها. وأقول: ليس من العدل أن أحمل عبء الاختيار وحدي. أفكّر في وحدتي، وأختبر الغصّة. وأقول: عليّ دائمًا أن أتحرك إلي الأمام، لن أعود إلي خيارات التي أخذتها من قبل. لن أقف في مكاني. "هذا أيضًا سيمر". وسينضم هذا الاختيار، كسابقيه، إلي جعبة الاختيارات التي كلما تركتها ورحلتُ، وجَدَتَني. أنا لا آُومن بأي شيء، ولا حتي نفسي. ولكن عند مفترق الاختيار، ولحظة الحسم، أي موت سأختار؟ موتي أم موت آخر غيري؟ هل أحمي نفسي، أم أحمي الآخرين؟ وإذا كانتا الطريقين نهايتهما موت يختلف اسمه، هل أختار أن أموتَ، أم أن يموت الآخرون؟

كل الطرق تفضي إلي هاوية، أو سد. وأنا سأبقي مقيدة من كاحليّ بالأرض. وسأضطر أن أترك الاختيارات غير مُختارَة. سأغمض عيني وأطأ بقدمي قلبا. وغاية آمالي في لحظة الكشف، أن يكون القلب المنكسر قلبي، وليس قلبًا حاول الطيران من خلالي، وأقعدته قيود كاحلي؛ فلزمني. 

لماذا يأتينا الموت في صورٍ قاتمة، ولا يأتينا في صورته الأولية؟ لماذا يفضي كل سقوط إلي آخر! وأين القاع! متي أرتطم بالأرض وأتفتت إلي قطع زجاج صغيرة ملونة، تجمعهم طفلة ضمن مجموعة مقتنياتها؟ أريد أن أعيش إلي الأبد، ولكني أريد أن أعيش بدون القدرة علي اتخاذ القرار. 

لقد ذبلت أجنحتي. وأدمت الأصفاد كاحليّ حتي تحجرّا. فلا أنا أطير، ولا أنا أشعر بالقيد. والسقوط حر نحو القاع هو فرصتي في الطيران مرة أخيرة ووحيدة. 

No comments:

Post a Comment