يمكنني أن أسامح الآخرين على أخطائهم، ولكنّي أبدا لا أستطيع مسامحة نفسي. يعذبني كل خطأ ارتكبته، يلف حباله جول رقبتي. تتجمع الأخطاء معًا: كل ما كان يمكن أن أفعله بشكل أحسن ، كل ما كان يمكن تجنبه، كل ردود الفعل التي لم تعبر عنّي، وكل ردود الفعل التي عبرت عني زيادة عن اللازم. يتجمعون معًا. يجلسون جميعا فوق صدري فلا أستطيع التنفس. ما يزيد الأمر تعقيدًا أنني يلتبس عليّ كثيرا الخطأ والصواب. . في لحظات قاتمة كهذه، أجلس لأتذكر قائمتي السوداء. كل من خذلتهم. كل من خذلوني ولم أستطع أخذ حقي. كل لحظة فوتها دون أن أفعل فيها ما أردت فعله. وكل لحظة صدقتُ فيها أن شيئًا طيبا يمكن أن يحدث لي. كيف أصبح بهذا الغباء؟
للأمانة، لم أفتقد الكتابة إطلاقا. شعور الافتقاد ليس من الأشياء التي تحدث لي عادة؛ ربما أبدًا. أتذكّر طفلةً في الصف الثالث الإعدادي، تقرر في اجازة صيف أن تمنع نفسها من التعلّق، من الحب؛ من الارتباط بشيء، أي شيء. أتذكّرني طفلة تخشى الأذى. تخشى أن ينجرح قلبها؛ فتغلق أبوابه. كل ما أمرّ به، كلّ ما حدث لي ليس حقيقيا. لم أكن أنا التي عاشت هذه اللحظات. هذه نسختي المزيفة؛ النسخة التي يجب أن تظهر للآخرين كل ما ليس له علاقة بدواخلي الحقيقية. لوح الزجاج الذي يفصلني عن العالم، بأساه وبرقتّه، بطيبته وبشراسته. لوح الزجاج الذي يحميني من أتورط في علاقة ستؤذيني. كل العلاقات تؤذي. يؤلمني كل ما أعرفه عن نفسي، ويزعجني كل ما لا أعرفه.
لم أفتقد الكتابة ولكني أفكّر الآن أنها فعلا متنفسي الوحيد. لا أستطيع أن آمن أحدًا على مشاعري وأفكاري. كل مرّة بُحتُ بشيءِ؛ ندمتُ بعدها. ولكن الكتابة آمنة. يمكن انكارها. يمكن التنصل منها. يمكن محوها. وفي لحظات قاتمة كهذه، عندما يدفعني ثِقَل قلبي نحو الهاوية، تخفف الكتابة كثيرًا. تمنحني بعض الاطمئنان. عقلي الذي ينشغل بصياغة الجمل واختيار المفردات، يصرفه انشغاله عن الثقب الدامي في قلبي. ينشغل عن النزيف وعن الألم. أنا خبيرة الإلهاء. ألهيتُ نفسي سبعة وعشرين عامًا عن حقيقتي حتى بهتت. فلم أعد أعرف لا من أكون ولا ماذا أريد. وكل طريقٌ آملتُ أن يمنحني السكينة، خذلني وخذلته. هي غلطتي لأنني صدقتُ. لا معنى للحياة ولا للوجود. لا معنًى للحب. وليس لي أملٌ في النجاة إلا إذا عدتُ إلى ما قررته وأنا طفلة. ماذا يفيد الارتباط بشيءٍ لا يرتبط بي بنفس الدرجة؟ ما فائدة التعلّق إن كان لم يمنحني الطمأنينة؟ وما قيمة الآخرين إن كنتُ في كلّ مرّة تزورني فيها نوبات الغضب والهشاشة، أجد نفسي في مواجهتها وحدي؟ لقد كانت الطفلة أذكى مني. عرفتُ الحقيقة مبكرا، ولكنّي آملتُ أن أكونَ مخطئة. اعتقدتُ أنني إن فتحت قلبي، لن أبكي وحدي مرة أخرى. الأمس بكيتُ كثيرًا، واليوم قررت أنني ليس لي سواي. وأن الأوهام لا تناسبني. أن الحقيقة هي ما أراه. وأن الأمل في الأحسن وسيلة الأغبياء في تمضية عمرهم. وأنني، وإن كنتُ لا أرى فرق بين وجودي أو عدمه، . فسأكون. لا مزيد من الحب. قسوة قلبي هي الملاذ. لن أبكي مرة أخرى.
No comments:
Post a Comment